اكرم عبد خليفة الدليمي
178
جمع القرآن
وكما قلنا عندما تفرق المسلمون في الأقطار ، وكان أهل كل إقليم من الأقاليم يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة ، فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب ، وأهل الكوفة يقرءون بقراءة عبد اللّه بن مسعود ، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري ، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة . واستفحل الداء حتى كفّر بعضهم بعضا ، أو كادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير حتى أن الرجل ليقول لصاحبه : إن قراءتي خير من قراءتك ، ولم يقف هذا العمل عند حد ، بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية حتى الحجاز ، والمدينة ، وأصاب الصغار والكبار على السواء « 1 » . أخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبي قلابة أنه قال : لما كانت خلافة عثمان ، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، حتى كفر بعضهم بعضا ، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال : ( أنتم عندي تختلفون ، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا ) « 2 » . وصدق عثمان رضي اللّه عنه ، فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافا ونزاعا من المدينة والحجاز ، وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع أو التقوا على جهاد أعدائهم ، يعجبون من ذلك ، وكانوا يمعنون في التعجب والإنكار كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن ، وتيقظت الفتنة التي كادت تطيح فيها الرؤوس ، وتسفك فيها الدماء ، وتقود المسلمين إلى مثل اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم ، كما ورد في الحديث الذي يرويه
--> ( 1 ) ينظر : المرشد الوجيز لأبي شامة المقدسي : 54 ؛ مناهل العرفان : 1 / 255 . ( 2 ) ينظر : المصاحف : 1 / 211 - 212 ؛ وأورده ابن حجر في فتح الباري عن ابن أبي داود ، وقال : ( فكأنه واللّه أعلم لما جاء حذيفة وأعلمه باختلاف أهل الأمصار ، تحقق عنده ما ظنه من ذلك ) . فتح الباري : 9 / 22 .